كتب ـ أحمد الجارالله: حكومة العهد الجديد… إنجازات وليست خيبات

74

اليوم تدخل الكويت مرحلة جديدة من مسيرتها الديمقراطية المميزة، بعد انتخابات نيابية أثبت فيها الكويتيون وعياً شعبياً كبيراً، فحاسبوا النواب الفاسدين بأن أسقطوهم، وكذلك مَن كان ولاؤهم لغير وطنهم، من الطائفيين الذين سعوا إلى بث التفرقة في المجتمع.

لا شك أن التغيير الكبير يجب ألا يقف عند حدود الشكل والوجوه، بل يجب أن يكون تغييراً في المضمون التشريعي، كي تُطوى معه صفحة الشعارات الشعبوية، ويُستنفر الجميع لمواجهة تحديات كثيرة تستوجب التعاون، والتعاطي مع جملة ملفات بروح المسؤولية الوطنية، فلا نعود إلى المربع الأول من الفشل المزدوج، أَكان من مجلس أمة هيمنت على الفصل التشريعي السابق منه نزوات بعض مَنْ ينظرون إلى النصف الفارغ من الكأس، ولا يرون المصلحة الوطنية الحقيقية، أو من سلطة تنفيذية لم تكن بمستوى تحديات المرحلة.

ثمة الكثير من الملفات الواجب العمل عليها بين السلطتين، أولها الاقتصاد والخروج من نفق التراجع، أكان في التصنيف الائتماني أو المال السيادي، والانكماش الناتج عن سوء معالجة تبعات أزمة جائحة “كورونا”، أو في ما يتعلق بالمشاريع الكبرى التي جرى تجميدها، ومعالجة الوضع الإسكاني بطريقة علمية، وليس بارتجالية صوّرت الكويت أنها دولة منغلقة، وغير مؤهلة للسير مع التطورات العالمية.

بطبيعة الحال أن مثل هذه الملفات لا يمكن أن تخضع للابتزاز والمساومات كي لا تتكرر مأساة وزيرة الأشغال السابقة جنان بوشهري التي لخصت واقع الممارسة النيابية بقولها في ختام استجوابها الشهير: “من على هذه المنصة، أُعلن تقديم استقالتي، لأنه مع الأسف الشركات وأصحاب النفوذ أقوى من الحق، وأَقف برأس مرفوع في مواجهة أصحاب النفوذ، وأفتخر وأعتز بكل قرار اتخذته للحفاظ على حق الدولة”، وقالت: “أفتخر بأن الذين يستجوبونني هم نواب رفضت لهم مطالب غير محقة”، وأن تكون هذه الحادثة مناسبة لتصويب الأخطاء التي وقعت فيها الحكومة السابقة، وكذلك المجلس السابق الذي ظهر في لحظة سياسية أنه يخرق الدستور عبر زحفه على صلاحيات السلطة التنفيذية.

كل هذا يتطلب حكومة قادرة، تدرك جيداً أن الشعبوية ليست في مصلحة الكويت، وبالتالي عليها العمل على إعادة النظر في القوانين كافة التي أقرها المجلس السابق، وأن تفرض رؤيتها في ما يتعلق بتنشيط الاقتصاد الوطني، وتحمي المال العام، وتحسن التصنيف الائتماني عبر زيادة عوائد الاستثمارات الستراتيجية.

حكومة تستفيد من تجارب دول الخليج الأخرى الآخذة بالانفتاح مساراً للتطور والعصرنة، ليس على المستوى الحكومي فقط، بل أيضاً في القطاع الخاص، ومعالجة القرارات الخاطئة التي اتخذت، ويشتم منها رائحة تكبيل هذا القطاع.

المطلوب سلطة تنفيذية تأخذ بإيجابيات تطورت من خلالها بعض دول “مجلس التعاون”، وآخرها سلطنة عمان التي عدّلت قانون العمل بما يتناسب مع متطلبات السوق، وكذلك الإمارات وقطر والبحرين والمملكة العربية السعودية، لا أن تقر قوانين عنصرية، أو تضع تشريعات تعجيزية في مسألة التمويل والقروض، فالجميع بات يعرف أن ما اتُّخذ من إجراءات في الأشهر الماضية أدى إلى خنق القطاع الخاص، وإفقار المزيد من الكويتيين.

المطلوب اليوم حكومة مستندة إلى الحق والأمانة، في المواجهة والعمل، بمعنى أنها سلطة تنفيذية حاكمة، وليست خاضعة لأهواء نواب دخلوا قاعة عبدالله السالم، إما على أجنحة القبلية أو الطائفية أو شراء الأصوات، وهمهم الأول تحقيق مصالحهم الخاصة، أو المصالح الفئوية الضيقة لمن انتخبوهم، كما كانت الحال في المجلس السابق، وأن لا تسمح بالعبث في أي ظرف كان.

ونتمنى أخيراً على صاحب السمو الأمير وسمو ولي العهد أن تتيح لهما مشاغلهما المجال للتأمل بهذه الكلمات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.